التيسير بوصفه ممارسة كتابية

وقت القراءة: 2 دقائق

/

/

يمضي الكاتب في مساره عبر أدوار متتابعة من النموّ والتعلّم، تتشكّل فيها الكتابة على مهل، ويترسّخ الأسلوب بالتراكم. يعمل التعلّم في العمق، ويترك أثره مع الزمن= حتى يغدو الوعي المُصاحب للكتابة جزءًا من الممارسة نفسها، فالمعرفة التي تتكوّن عبر القراءة والدراسة والخبرة تحتاج إلى سياق حيّ يوقظها داخل النص المكتوب، ويجعلها فاعلة في لحظة التكوين، حيث يتشكّل الأسلوب بوصفه ممارسة تنمو مع التجربة.

ويتجلّى هذا المعنى بوضوح في سياق الكتابة؛ فقد يمتلك الكاتب رصيدًا معرفيًا وافرًا، وتأتي الممارسة اليومية لتُفَعِّل هذا الرصيد داخل النص، في اختيار اللفظ، وبناء الجملة، وضبط الإيقاع، وتماسك البناء. هنا تتحوّل القواعد إلى حسّ مكتسب، يظهر تلقائيًا أثناء الكتابة، ويمنح النص توازنه الداخلي، ويبرز في هذا المسار دور المُيسِّر (Facilitator)  بوصفه شريكًا مركزيًا في عملية النمو، فيتمثّل دوره في تهيئة سياق حيّ للتفكير، وفتح الأسئلة، والتنبيه إلى الزوايا التي تستحق مزيد نظر، والمساهمة في انتقال المعرفة من حيّز الفهم النظري إلى حيّز الممارسة الواعية، و يتشكّل مع الزمن من هذا التفاعل ناقد داخلي يُقيم في ذهن الكاتب، ويصاحب قلمه في كل تجربة كتابية.

ويمتدّ النقاش الحي بين الكاتب والمُيسِّر من التصويب اللغوي إلى مساءلة الفكرة، وترتيب الحُجّة، وضبط النبرة، وتقدير الأثر.. ويُعيد هذا النقاش بناء النص في كل مرة، ويمنح الكاتب وعيًا مزدوجًا يرى به نصّه من داخله كصانع، ومن خارجه كقارئ ناقد.

ويتشكّل في تجارب التعلّم العميق الأسلوب داخل شبكات نقدية حيّة، تتقاطع فيها القراءة، والنقاش، والتداول، فيتحوّل التعلّم إلى ممارسة جماعية تُنمّي الوعي وتسرّع النضج. يظهر هذا النمط كلما وُجدت بيئة تسمح بمساءلة النصوص وتبادل النظر حولها.

وقد شهد تاريخ الأدب نماذج تشكّل فيها الأسلوب ضمن هذا النوع من التيسير. من أبرزها تجربة إرنست هيمينغواي في بداياته، حين كان نصّه يُناقَش ويُشذَّب في حوار مباشر مع عزرا باوند، فترسّخ لديه وعي مبكر بالدقة والاقتصاد اللغوي، وفي السياق العربي، تكوّن أسلوب الجاحظ داخل شبكة مجالسية نقدية حيّة، جعلت الكتابة ممارسة تُصقل بالنقاش والمراجعة، وتُنمّي الأسلوب عبر التفاعل المستمر.

وتُظهر هذه التجارب أن التعلّم في الكتابة مسار نموّ مستمر، يتشكّل بالتراكم، ويتعمّق بالممارسة، ويزداد أثره حين يُرافق بتيسير واعٍ -سواء عبر شخص واحد أو شبكة نقدية حيّة- تصقل النص وتُحسن توجيه أثره، ويتقدّم الكاتب -مع هذا التيسير- بثقة هادئة في أسلوب حيّ قابل للتطوّر والتأثير.


شارك المقال