هيبة الإمضاء

وقت القراءة: 3 دقائق

/

/

يولي السُراة والأعيان وأهل المسؤولية الكتابةَ مقامًا رفيعًا؛ لإدراكهم أنَّ جزءًا من صورتهم الذهنية، فضلًا عن نفوذهم وتأثيرهم وحضورهم، يُصاغ من خلال ما يُكتب بإمضائهم، كما يُحكم به على خلفياتهم وتمكّنهم وأهليتهم، فالنصوص التي تصدر عنهم تحمل صورتهم، وتدلّ على مقاماتهم، وتزيد في احترامهم ومكانتهم، ولإني لأُكبرُ في عدد من أصحاب المعالي الوزراء وكبار المسؤولين التنفيذيين، عنايتهم بالأمر، إذ يحرصون على إحاطة أنفسهم بمتخصصين تمرّ عبرهم كل كلمة تصدر عنهم، ليضمنوا أن يجيء النص في أكمل صورة، وأن يُقرأ عنهم بما يليق بمقامهم ومسؤوليتهم.
وليس في استعانة الكبار بمن يكتب أو يراجع عنهم ما يشير إلى فاقد لغوي؛ بل هي ممارسة اتصالية راشدة، تؤكد أن التمكّن لا يغني عن الحاجة إلى العين الجديدة (Fresh Eye)، فالمسؤول المتمكن يدرك أن النص، مهما صيغ بإحكام، يبقى بحاجة إلى عين خارجية تكشف ما يحجبه الاستغراق، وتضيف بعدًا يعزز المعنى، ويرفع النص إلى مقام أرفع.
إنَّ إدراكهم أنهم يُقرأون من خلال ما يصدر عنهم يزيد احترامهم في النفوس؛ لأن ما يصدر عنهم من مكتوب يكون محكومًا بالمعنى، موزونًا بميزان الحاجة، مصاغًا على نحو لا يزحم سياقه بما لا ضرورة له، ولا يفوّت مقصوده ما يُنتظر ذكره، وهكذا تتحوّل الكتابة إلى أداة إفصاح وتعبير دقيقة، تحمل الهيبة بقدر ما تحمل المعنى، وتُقيم صورة صاحبها في قشابة.
وفي المدونة التاريخية شواهد تؤكد سلطان الكتابة وامتداد أثرها، فعبدالحميد الكاتب -كاتب الدولة الأموية في أواخر عهدها- جعل من البيان قوة موازية للقوة المادية، حتى قيل إن رسائله كانت أبلغ أثرًا من الحشود المعبّأة، إذ تنفذُ إلى القلوب وتستميل العقول قبل أن تتحرك الصفوف، ثم جاء ابن العميد، الذي عُرف بوزير القلم في الدولة البويهية، فصار قلمه سيفًا ماضيًا في يد الحكم، حتى وُصفت كتبه بأنها تفتح ما تغلقه الصفوف، وبفضل تلك الصناعة الرفيعة أصبحت الكتابة ركيزة من ركائز السلطة والإدارة، ووسيلة تؤكد هيبتهم وتشيّد لهم حضورًا؛ لتغدو يدًا مُمكّنة لأصحاب النفوذ الحقيقي، وسندًا يعزز سلطانهم ويزيد أثرهم رسوخًا.
الكتابة -بطبيعتها- مرآة كاشفة، فهي تعبّر عن أصحابها بقدر ما تنقل معانيهم، وتُظهر تمكنهم ورسوخهم من خلال تفاصيلها: من اختيار الألفاظ، إلى نسق العبارات، إلى دقة المصطلحات، وكل سطر يتحوّل إلى علامة، وكل كلمة تترسّب في وعي القارئ شهادة على قدرات صاحبها، وما بين السطور معنى غير منطوق يشي بما هو أبعد من ظاهر العبارة، فيكشف للمتأمل ما لا يُصرّح به النص صراحة.
ولذا، تظل الكتابة وسيلة تقييم؛ فهي تُكوّن الانطباع، وتبني الصورة الذهنية، وتترك أثرًا يتجاوز اللحظة إلى الذاكرة. فما يُكتب بإمضاء صاحبه بطاقة امتداد له، ومقياس لمقامه، ومعيار يُقرأ به في مجالس العقول قبل أن يُقرأ في صفحات الورق.
الكتابة مقام عالٍ تتداخل فيه أبعادها المباشرة وغير المباشرة، فهي تُشيّد المعنى وتُرسّخ الحضور، وتُقيم لصاحبها امتدادًا في العقول والنفوس. ولا يزال الكبار يعنون بها، لإدراكهم بمآلاتها، وما تورثه الكتابة من أثر يمتد عن لحظته إلى آفاق أبعد.


شارك المقال