ما بعد الموهبة

وقت القراءة: 4 دقائق

/

/

نلتقي في مسارات العمل والحياة بموهوبين لافتين؛ تظهر عليهم مخايل النجابة من خلال سرعة البديهة، أو الذكاء الحاد، أو الحس الفني، أو القدرة التحليلية المُلفتة، وغالبًا ما تثير هذه المواهب إعجاب البيئة المحيطة، وربما تمنحهم أدوارًا ومكانة في وقت مبكر، ثم ومع مرور الزمن، تبدأ الصورة تتغير! فكم من موهوب أذهل في البدايات، ثم تراجع حضوره، وتوقفت إضافته، وبقي عالقًا في مساحة الإمكان دون أن يحقق أثرًا فعليًا، ولا يعود السبب -غالبًا- إلى الموهبة ذاتها، بل إلى غياب استدامة الصنعة.
الموهبة طورٌ أول في مسار طويل، كوميض فجرٍ لا يُرى تمام نوره إلا حين تعبره الشمس مسارها الكامل، وتمنحه اكتمال النهار. وآفة كثير من الموهوبين أنهم توقفوا عند لحظة التعريف الأولى بأنهم موهوبون؛ فلم يواصلوا البناء اللازم لتحويل هذه الطاقة الكامنة إلى قيمة مضافة مستدامة ملموسة.
وإلى جانب الموهبة، ثمة من يمتلك رصيدًا آخر في بداياته؛ نشأة تربوية متميزة، أو بيتًا منفتحًا على الوعي والمعرفة، أو حضورًا مبكرًا في بيئات تثري الأفق وتُنمّي اللغة والفهم والملاحظة، وغالبًا ما يمنح هذا الرصيد لصاحبه نوعًا من السبق الثقافي والمعرفي على أقرانه، فيبدو أكثر وعيًا أو نضجًا أو قدرة على التعبير، لكن هذا التميّز لا يدوم طويلًا إن لم يُدعّم بنمو داخلي حقيقي، فالرصيد التربوي مهما بلغ، يظل رافدًا أوليًا لا يُغني عن التعلم الذاتي والتطور المستمر، وإذا اكتفى الإنسان بما ورثه في مراحل تكوينه الأولى ولم يُضِف إليه، فإن التنافسية التي كانت تمنحه التقدم في البدايات، ستذوب تدريجيًا أمام من يواصلون التعلم والعمل والبناء؛ فالرصيد الأولي يمنحك انطلاقة جيدة، لكنه لا يمنحك الاستدامة.
تؤكد الأبحاث العلمية الحديثة أن الذكاء ذاته ليس صفة جامدة، ففي دراسة نشرتها الأكاديمية الوطنية للعلوم(Jaeggi et al., 2008)، تبيّن أن التدريب المعرفي المنهجي يمكنه تحسين ما يُعرف بالذكاء السائل (fluid intelligence)، والذي يُعد أحد أكثر مقاييس الذكاء ارتباطًا بحل المشكلات والابتكار، وهذا يعني أن البيئة التعليمية والتدريبية قادرة فعليًا على إعادة تشكيل الأداء العقلي، لا فقط تحسين المهارات الثانوية.
فإذا كان ذلك ممكنًا في الحالات العادية، فكيف حين يجتمع هذا التدريب الصبور مع شخص يملك أصل الموهبة؟ عندها، لا نتحدث عن تحسين تدريجي، بل عن تحول نوعي، ذلك هو الاستثمار الحقيقي الذي يُنتج أشخاصًا استثنائيين في مجالاتهم.
في كتابه الإتقان (Mastery)، يلفت روبرت غرين إلى مفهوم بالغ الأهمية: لا إتقان بلا تكرار! يصف مرحلة يمر بها كل من يسعى للتفوق، يسميها “مرحلة الملل”، حيث يبدو التقدم بطيئًا، ولا يظهر للآخرين أي فرق، لكنها المرحلة الحاسمة، التي يعاد فيها تشكيل الذهن ببطء، وتترسخ فيها المهارة في العمق، إلى أن تصبح جزءًا من البنية العقلية ذاتها، وأشار أيضًا إلى أنَّ أغلب الناس يتوقفون في منتصف الطريق، لأنهم يرفضون هذه المرحلة، ويستعجلون الثمار قبل أوانها.
ومع أن فكرة “النجاح السريع” تبدو مغرية، إلا أن الواقع يخبر أنَّ النجاح المستدام لا يتحقق إلا بعد سنوات من التعمق والمراكمة.
تشير أبحاث عالم النفس أندريس إريكسون، إلى أنَّ التميز الحقيقي في أي مجال يتطلب في المتوسط ما بين سبع إلى عشر سنوات من الممارسة المركزة والمنضبطة، وهو ما بات يُعرف لاحقًا بـ قاعدة 10,000 ساعة التي نشرها مالكولم جلادويل في كتابه Outliers. مع التأكيد على أن القيمة لا تكمن في الرقم بحد ذاته، بل في نوعية التمرين، ووعيه، واستمراره.
من هنا، فإن المشكلة تكمن في اختزال النجاح بالموهبة -دون وعي-، ولا تكتفي المؤسسات الذكية بتوظيف الموهوبين، بل تسعى إلى تبني نظمًا تعليمية ومهنية تصقلهم وترافق نموهم، وتعزز قابلية التعلّم لديهم، وهذا ما أشارت إليه تقارير ManpowerGroup، التي أكدت أن “قابلية التعلّم” -أي قدرة الفرد على التكيف، وتطوير ذاته، واستيعاب المعارف الجديدة- باتت أهم مؤشر على استدامة النجاح المهني، أكثر من الذكاء الفطري ذاته.
ختامًا، الموهبة منحة أولى، لكنها لا تُنتج الفرق إلا حين تُمتحن بالوقت، وتُبنى بالتكرار، وتُشكّل عبر التعلم المستمر، كما أنه من السهل أن تُدهش في البداية، لكن ما يصنع القيمة الحقيقية هو ما يحصل بعد ذلك، وليست المسألة أن يكون المرء ذكيًا أو موهوبًا؛ بل أن يواصل بناء نفسه كل يوم، وأن تضع موهبته على محك التكرار والتعلم والنمو والمواكبة وصقل الصناعة، وأن يكون مستعدًا لأن يبدأ من جديد كلما تطلّب الأمر.


شارك المقال