قراءة تأملية في كتاب (عبدالرحمن الصالح الشبيلي، سيرة أخرى)

وقت القراءة: 4 دقائق

/

/

يأبَى ذِكرُ د. عبدالرحمن بن صالح الشبيلي رحمه الله أن يَخبو، فكلما تعاقبت الأيام جاء حدث يحمل محبيه على مزيد ذِكرٍ له ولمآثره وفضله، وقد قدَّم أستاذنا أحمد بن عبدالمحسن العساف في كتابه (عبدالرحمن الصالح الشبيلي، سيرة أخرى) ما يمكن عَدُّه امتدادًا لما قد بدأه د. الشبيلي رحمه الله في (مشيناها)، مستصحبًا هَضْمَ الشبيلي الشديد لذاته حتى بَدَت إحدى أبرز سماته التي لمسها ورآها كلُّ من لقيه وعرفه.
صدَّر العساف كتابه بحديث عن عُنيزة، تلك البلدة الوادعة في قلب الجزيرة العربية التي انطلق منها الشبيلي نحو الآفاق الواسعة، وقد جاء فصلًا غزيرًا موجزًا يفيض حُسنًا وبركة.
من الفصول التي لا يمكن تجاوزها قبل أن يرقأ لها دمع القارئ فصلُ (الصِّلة أولًا)، جاء هذا الفصل الباكي مترجمًا عن بعض ما حبا الله الشبيلي من لُطفٍ ورحمةٍ ورِقَّة، فرغم ما يكتنز قلبه من حُزنٍ وشَجَنٍ إلا أنه جُبِل على إشاعة السرور والفرح في أفئدة من حوله، سيما قرابته ودوائره القريبة.
شَرَعَ بعد ذلك في حديث حول قيمة الانضباط الذاتي لدى الشبيلي، والتي يمكن عَزْوُ كثيرٍ من النجاح والنِّتاج إلى هذه القيمة التي غدت عنده أسلوب حياة صاحَبَتْه منذ بواكير أيامه حتى اختاره الله إلى جواره.
عَرَّجَ بعد ذلك على مرحلة الشبيلي الإعلامية، والتي أخذت حظًا وافرًا من شبابه ودراسته ومؤلفاته وتنظيراته، وقدَّم فيها نجاحات لم يُجاوِزْها الواقع الإعلامي رغم انطواء العقود على حقبته، آمَنَ الشبيلي خلال هذه المرحلة بالتدرُّج، وبأهمية التغذية العقلية والبصرية من شتى التجارب والممارسات والأُطُر العامة لتكوين وإنتاج حلول مناسبة للمجتمع المُخاطَب.
تحوَّل المؤلف بعد ذلك إلى توثيق وتحليل المرحلة الأكاديمية عند د. الشبيلي رحمه الله، وقد أفاض في هذا الفصل في محاولةٍ لسد ما رآه ثَغرة في (مشيناها)، حيث لم يُسهب الشبيلي في توثيقها بقدر ما قَدَّمَ فيها من جهدٍ عريض، ولعل تواضعه المعهود غلبه فيه.
انتقل بعد ذلك للحديث عن المرحلة الشُّورِيَّة، والتي لا تقل زخمًا وعطاءً عن سابقتيها، إذ لكل مرحلة طبيعتها وأدوارها، وقد كانت المسؤولية الشوريّة على د. الشبيلي مضاعفة؛ إذ دخل المجلس في مرحلة كانت تتطلب حساسيةً وحذرًا وهدوءًا عاليًا بطبيعة مراحل التأسيس والتي تؤثر في شكل المؤسسات وعمرها، ولطبيعة العمل الشوريّ، ولأنه كان موطن ثقةٍ استثنائية عند الشيخين ابن جُبَير وابن حُميد، واللذين عاصرهما د. الشبيلي إبَّان عضويته، كان د. الشبيلي رحمه الله “واعيًا بالمنهج المتَّبَع في الحُكم والإدارة، وأدرك دقائق المزاج الرسمي، فانضبط لديه وبه الإيقاع”، كما “يبدو أن المنهج المستقر لديه يكمن في الارتقاء التدريجي بالمجتمع ومعه، بلا مُناكفة أو مُناكَدة، فشخصيته بعيدة عن التَّصادُم…”، ولأن التجربة كانت استثنائية بحكم طبيعة مراحل التأسيس، فـ “لم يخرج من المجلس كما دخل إليه، بل سعى لترشيد التجربة، وتوثيقها، وربطها بالتاريخ، وحرص على إبقاء الصِّلة بين الأعضاء القُدامى والجُدد”.
دَلَفَ المؤلف بعد ذلك إلى بوابة التأليف عند د. الشبيلي، متحدثًا عن مجموع مؤلفاته الباذخة، وقد كان الكِتمان الذي عُرِف به د. الشبيلي رحمه الله وقودًا نحو تفريغ كثيرٍ مما في نفسه من آمالٍ ورؤى وتجارب على هيئة مواد مكتوبة خالدة نابضة بالحياة، منها توثيق أحداث سماها (حديث الشرايين)، تروي تفاصيل ما جرى مع ريحانة قلبه وثمرة فؤاده ابنه الوحيد! فلا أصعب من حُزن الوالد على ولده، يربيه على فاقته، ويحتويه بفؤاده حتى يُورِق، ثم لا يلبث أن يُجتَثَّ من أصله وعروقه! لم يكن د. الشبيلي قبل أحداث ابنه طلال ووفاته كحاله بعد ذلك، لقد ناح الشبيلي ابنه حينًا طويلة، فثارت مشاعر الألم والحزن عليه؛ في ملامحه، وكتاباته، وفي قوله وفعله، فرحمهم الله جميعًا.
مما ناقشه الكتاب بإسهاب، سؤال عدم تَوْزِير د. الشبيلي رحمه الله مع توافر جميع الممكنات، وتكهَّن المجتمع بذلك في أكثر من مرحلة، خاتمًا حديثه حيال شأن التوزير بـ: “إن الحسابات الدقيقة والعُليا لا يستطيع تحسُّسها عامة الناس الذين تدفعهم رغبة، أو يُحرِّكهم عامل واحد، بينما يرى المسؤول الدائرة من أقطارها وجوانبها كافة!”
لقد تواطأ الناس على محبة د. الشبيلي، حتى وصفه بعض محبيه بأنه لا يمكن لأحد أن ينجو من طوفان حبه، ولا ينساه من عرفه، ونرجو أن هذه البُشرى المُعجَّلة دليلٌ للبُشرى المؤخرة إلى الدار الآخرة، وإن عاجل البُشرى شيء يُلقى في قلوب الناس لا يمكن دفعه من حُسن الثناء والرضا والقبول، رحم الله د. عبدالرحمن بن صالح الشبيلي وقدَّس روحه في أنهار الجنة.
 


شارك المقال