آل العقيل وجرير وسؤال البقاء

وقت القراءة: 5 دقائق

/

/

قراءة في سيرة محمد بن عبدالرحمن العقيل (حياتي، أكثر من مجرد مكتبة)
 
تحفظ الوثائق وجهًا من التاريخ، وتختزن صدور الذين عاصروا أحداثه وجهًا آخر؛ إذ تستقر في السجلات الوقائع بعد انقضائها، وتبقى في ذاكرة أصحابها أحوالها وهي تتشكّل، وما صاحبها من اجتهادات وتطلعات، وما تكشّف لهم من معانٍ بعد أن طوت الأيام تفاصيلها. وتكتسب كتابة السير من هنا قيمة معرفية وتاريخية، سيما تجارب الرواد السعوديين الذين شهدوا المراحل المبكرة من النهضة الاقتصادية الحديثة، وأسهموا في بناء مؤسساتها التجارية والصناعية والخدمية؛ فقد حفظت ذاكرتهم شيئًا من تاريخ التنمية كما عاشه صانعوه، بما فيه من مشقة البدايات، ومكابدة القرار، وتراكم الخبرة.
وقد أدركت المؤسسات العلمية قيمة هذا المورد المعرفي؛ فاعتنت دارة الملك عبدالعزيز بالتاريخ الشفوي، ووثّقت كلية هارفارد للأعمال، ضمن مشروع Creating Emerging Markets، تجارب مؤسسين وقادة أعمال في الاقتصادات الناشئة، وكان محمد بن عبدالرحمن العقيل، أحد مؤسسي مكتبة جرير، ممن حظيت تجاربهم بهذا الاهتمام.
استحضرتُ هذه المعاني وأنا أقرأ سيرته (حياتي، أكثر من مجرد مكتبة)، التي تتوزع بين النشأة والتعليم، والعمل والتجارة، والعلاقات الإنسانية، ومواقف الإدارة والقيادة، ويستوقف القارئ فيها قرب اللغة وسهولة العبارة، وما تحتفظ به من أُلفة الحديث وعفوية الاستذكار، حتى حين تتناول مسائل إدارية ومالية مركبة. وقد استوقفني -مع هذه السلاسة- تكرار بعض التراكيب القائمة على نفي معنى لإثبات آخر، حتى غدت في مواضع منها أقرب إلى لازمة تحريرية؛ وقد رفع ذكر الدكتور زياد الدريس في مقدمة الكتاب سقف التوقع من جهة الصنعة اللغوية، لما عُرف عنه من عناية باللغة واشتغال بها، وكان لمزيد من التنويع في بناء الجمل أن يمنح السرد قدرًا أكبر من العفوية والرشاقة.
تمنح السيرة رواد الأعمال الشباب مادة معرفية جديرة بالعناية؛ إذ تكشف عن عقلية تشكّلت في ميدان العمل، ونضجت بالممارسة وتقليب النظر في الوقائع، وتختلف قيمة المعرفة التي تمنحها التجارب باختلاف ما يستخلصه القارئ منها؛ فقد يجد وصفةً تنفعه في ظرف مخصوص، وقد يكتسب طريقةً في التفكير تصحبه حين تتغير الظروف، ولعلّ في هذا أحد أسرار الانتفاع بسير المؤسسين؛ إذ يطّلع القارئ على المعرفة في سياق نشأتها، ويتعلم من طرائق النظر والتقدير بقدر ما يتعلم من القرارات ونتائجها.
مما استوقفتني في سيرة أبو أكرم حديثه عن العائلة، والشركة القابضة، وتنظيم المصالح، وإدارة الأجيال، فقد استأثر بشيء أطول من التأمل؛ إذ وجدت فيه امتدادًا لسؤال قديم عن العائلات التي تصنع إرثًا مشتركًا، وكيف تحفظ للأجيال المقبلة المعاني التي جمعتها، والمصالح التي نشأت عنها، وتتراكم في سيرة العائلات معانٍ تستقر في النفوس قبل أن تُدوّن في المواثيق؛ فتنشأ الأعراف من التجارب المشتركة، وتتشكّل القيم من المواقف، وتغدو الذاكرة رصيدًا معنويًا تستمد منه العائلة وحدتها ووعيها بذاتها. ثم تمضي السنوات، وتتسع المصالح، وتتباين تطلعات الأجيال، فتحتاج تلك المعاني إلى ما يحفظها من قواعد ومؤسسات.
ويكشف أبو أكرم في حديثه عن إدارة الأجيال جانبًا من هذا الوعي؛ إذ يقرر في الصفحة (117) أنَّ: “العدل هو الضامن الأول لوحدة الصف”، وتكتسب هذه العبارة قيمتها من السياق الذي وردت فيه؛ فقد كان يتحدث عن تنظيم حقوق أفراد العائلة، وإدارة العلاقات بين الأجيال، والتمييز بين الملكية والاستحقاق الإداري، ويظهر في هذه الصفحات أن صيانة المودة العائلية تستدعي وضوح الحقوق والمسؤوليات، وأن ما يُكتب من أنظمة اليوم قد يحفظ علاقات أجيال لم تشهد ظروف التأسيس.
 
وتفتح هذه التجربة بابًا لقراءة إحدى الخصائص المهمة للشركات العائلية؛ فقد ناقش الباحثان إيزابيل لو بريتون ميلر وداني ميلر، في دراستهما المنشورة عام 2006 بعنوان “Why Do Some Family Businesses Out-Compete?”، كيف تستطيع بعض الشركات العائلية بناء مزايا تنافسية من خلال التوجه طويل الأمد، والحوكمة، والاستثمار المتراكم في الإنسان والعلاقات والخبرات، وتكتسب هذه الموارد قيمتها من الزمن الذي استغرق تكوينها؛ فالثقة والمعرفة المشتركة والثقافة المؤسسية موارد يصعب استنساخها بمجرد توافر رأس المال، و تبدو تجربة آل العقيل ممثلة في منظومة جرير -من هذه الزاوية- جديرة بالتأمل؛ إذ يتصل سؤال استدامة الشركة بسؤال أعمق عن استدامة العائلة التي تملكها، وعن قدرتها على صيانة الروابط التي نشأت بها الأعمال، مع بناء الأنظمة التي تحفظ كفاءتها واستقلال قراراتها، ويكتسب التمييز بين الملكية والإدارة أهمية خاصة؛ فالملكية حق مُكتسب ينتقل بالاستحقاق، بينما تستدعي الإدارة جدارةً تتجدد مع تعاقب الأجيال.
ويضيء هذا المعنى عنوان آخر في السيرة: (الاستثمار في البشر قبل الأسواق)، في الصفحة (98)؛ إذ يضع العقيل الإنسان في صميم التجربة الاقتصادية، ويستعيد في حديثه عن جرير أثر بناء الكفاءات وتطوير العاملين، وتلتقي هذه الفكرة مع سؤال البقاء؛ فاستمرار الأعمال يستدعي إعداد من يحمل مسؤولياتها، وتكوين قدرة مؤسسية تتجدد مع تبدل الأشخاص والظروف.
ولعلّ من أجمل ما تثيره هذه السيرة أن القارئ يستطيع أن يجد في صفحاتها أسئلة تخص تجربته، مهما اختلفت عن تجربة صاحبها، وقد وجدت في حديث العقيل عن العائلة وجرير معنى يستحق أن يُقرأ في سياق أوسع من نجاح شركة؛ إذ تتصل به قضايا الإرث، والملكية، والعدالة، والمسؤولية بين الأجيال، وما ينبغي أن يبقى من قيم المؤسسين حين تتعاقب الأيدي على إدارة ما بنوه، ويبلغ البناء المؤسسي منزلة رفيعة من النضج حين يصبح قادرًا على مواصلة سيره مع تعاقب القائمين عليه، وتغدو الخبرة التي راكمها المؤسسون نظمًا وكفاءات وممارسات ينتفع بها من يأتي بعدهم، ولعلّ هذا مما استوقفني في سيرة العقيل؛ أن ينشغل الإنسان -وهو في ذروة قدرته على البناء- بتهيئة ما بناه ليوم يغيب عنه، وأن يورّث الأجيال أسباب الاجتماع والاستمرار، مع ما يورّثها من أصول وثروات، فبعض ما يتركه الإنسان يُحصى في سجلات الملكية، وبعضه يبقى في طرائق التفكير، والقيم التي استقرت، والمؤسسات التي أحسن بناءها، وعند التقاء الثروة بالمعنى، يعود سؤال البقاء أكثر إلحاحًا.
 


شارك المقال